ابن عجيبة
310
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فهو اسم مفعول ، ومن قرأه بالكسر فاسم فاعل ، وصح معنى القراءتين ، لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضا ، فمنهم تابعون ومتبوعون ، ومن قرأ بالفتح فالمراد مردفين بالمؤمنين ، فكانوا مقدمة الجيش ، ومن قرأ بالكسر فالمراد مردفين للمؤمنين تابعين لهم ، فكانوا ساقة للجيش . ثم ذكر حكمة الإمداد بقوله : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي : الإمداد ، إِلَّا بُشْرى أي : بشارة بالنصر ، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ فيزول ما بها من الوجل لقلتكم ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؛ لا يتوقف على سبب ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يغلب ، حَكِيمٌ في تدبير الأسباب وترتيبها رداء للقدرة الأزلية ، فإمداد الملائكة ، وكثرة العدد ، والتأهب ، وسائط ، لا تأثير لها ، فلا تحسبوا النصر منها ، ولا تيأسوا منه بفقدها ، فحكم الأزل جلّ أن يضاف إلى العلل . الإشارة : إظهار الفاقة والابتهال لا يقدح في صحة التوكل على الكبير المتعال ، بل هو شرف للإنسان ، وتقريب من الكريم المنان ، بل من شأن العارف الكامل الرجوع إلى اللّه في كل شيء ، والتعلق به في كل حال ، ولو وعده بالنصر أو الإجابة ، لا يقطع عنه السؤال ، عبودية وتملقا بين يدي الحبيب . وقد اختلف الصوفية : أي الحالين أشرف : هل الدعاء والتضرع ؟ أو السكوت والرضى تحت مجارى الأقدار ؟ وقال بعضهم : يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه ، صاحب رضى بقلبه ، ليجمع بين الأمرين . قال القشيري : والأولى أن يقال : إن الأوقات مختلفة ، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل ، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل ، وإنما يعرف ذلك في الوقت ؛ لأن علم الوقت يحصل في الوقت ، فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء ؛ فالدعاء منه أولى ، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم . ه . وقد تقدم في آل عمران إشارة الإمداد « 1 » . وبالله التوفيق . ثم ذكر تأمينهم ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 11 إلى 12 ] إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ( 12 )
--> ( 1 ) راجع إشارة الآية 125 من سورة آل عمران .